مقدمـة

يعد الأمن ضرورة من ضرورات بقاء وتطور المجتمعات الإنسانية، وتقوم على تأمينه وتحقيقه أجهزة الشرطة المسئولة عن حفظ الأمن والوقاية من الجريمة والحد من انتشارها. وإن التطورات التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، بفعل ثورتي الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات، قد انعكست على كافة الأنشطة الإنسانية بإيجابياتها وسلبياتها، ولم تكن الجريمة- كظاهرة اجتماعية- بمنأى عن هذا التطور، بل كان لها نصيبا واضحا ومؤثراً على المجتمعات الإنسانية كافة. وفي مواجهة هذا التغير، تطورت أجهزة الشرطة- في كل أنحاء العالم- وتقدمت بالقدر الذي يسمح لها بمواجهة كل أشكال الجريمة من حولها، مجتهدة في تحقيق السبق في صراعها الدائم والمستمر مع الجريمة والمجرم. ومع بداية الألفية الثالثة، بات واضحا لدى الخبراء ورجال الأمن في كل دول العالم أن ظاهرة الجريمة من المستحيل مواجهتها بالجهود الأمنية منفردة مهما كانت قوتها وعدادها. وأثبتت كل التجارب الإنسانية، أن الجريمة قضية تعني كل أفراد المجتمع ومؤسساته، ومن ثم أصبح من الضروري أن يقف المجتمع كله في مواجهتها، وأن إجراءات الوقاية منها يجب ألا تقف عند حد الإجراءات التقليدية التي تضطلع بها أجهزة الشرطة والعدالة الجنائية، بل أن الأمر يقتضي استظهار أساليب أخرى مدعمة وفاعلة، تسير مع إجراءات الوقاية التقليدية. كما أكدت الدراسات التحليلية الحديثة، أن فلسفة الوقاية من الجريمة تقوم على مبدأ المسئولية الشخصية والمجتمعية تجاه مكافحة الجريمة، وأن لجمهور المواطنين والمقيمين على أرض واحدة، دور في غاية الأهمية في توقي الجريمة لا يقل أهمية عن إجراءات الشرطة التقليدية وأجهزة العدالة الجنائية المختلفة. ومن ثم أضحت الدعوة لمشاركة كل أفراد المجتمع وهيئاته ومؤسساته في مكافحة الجريمة، أمراً تقتضيه طبيعة المرحلة، وتفرضه متطلبات التنمية المستدامة. ومن هنا ظهر مفهوم " الشرطة المجتمعية " ليؤكد الاتجاه الداعي لتقرير المسئولية الجماعية في مواجهة الجريمة والوقاية منها، والذي يعني إعادة التقارب والتفاهم بين أفراد المجتمع ومؤسساته، مع أجهزة إنفاذ القانون وتحقيق العدالة، انطلاقا من مبدأ أساسي يجعل من ذلك مسئولية مشتركة بين كل هذه الأطراف.

فلسفة إستراتيجية الشرطة المجتمعية

تشهد دولة قطر حالياً تقدما في كافة النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى تعاظم دور وزارة الداخلية وتنامي مسئولياتها الأمنية لمواجهة التحديات التي تفرزها طبيعة المرحلة، وتوفير المناخ اللازم للتنمية المنشودة، الأمر الذي يتطلب أن تزيد الوزارة من قدراتها، وتواكب التطورات التي يجب أن تدعم بها تنظيماتها. لقد تحول المجتمع القطري في الآونة الأخيرة إلى مجتمع متطور سريع التغيير، مما أحدث نقلة نوعية، وطفرة ملحوظة شملت كل أفراده ومؤسساته الوطنية، الأمر الذي يفرض على أجهزته الأمنية مضاعفة جهودها لمواجهة إفرازات هذا التحول من جرائم وانحرافات. وتدرك وزارة الداخلية ضرورة أن تتحمل هذه المسئوليات بكفاءة وفعالية، وهو ما ظهرت ملامحه في العديد من الأنشطة والخدمات الأمنية التي تقدمها لجميع أفراد المجتمع. ولكنها تدرك في الوقت ذاته، أن جهودها مهما تعاظمت، وأجهزتها مهما تعددت، لن تحقق الغايات الأمنية المطلوبة، ما لم يتم ذلك من خلال التعاون والشراكة بين الشرطة وأفراد المجتمع ومؤسساته المختلفة. وتأكيداً على ذلك، تتبنى وزارة الداخلية ضمن ركائز إستراتيجيتها الجديدة مفهـوم " الشرطة المجتمعية "، انطلاقاً من أن مسئولية حماية أمن قطر هي مسئولية الجميع وإن المواطن والمقيم هما صاحبا المصلحة الأكيدة في استتباب الأمن. وتأتي هذه الإستراتيجية تلبية لتوجيهات حضرة صاحب السمو الشيخ/ حمد بن خليفة آل ثاني- أمير البلاد المفدى- في مناسبات عديدة، حيث أكد على" أن عز هذا الوطن وازدهاره، أمنه وسلامته، حاضره ومستقبله، مسئولية مشتركة علينا جميعاً". هذا بالإضافة إلى ما أشارت إليه رؤية قطر 2030 التي نصت على " أن تحقيق هذه الرؤية مسئولية وطنية، وللمجتمع القطري بكافة فئاته....دور مهم يؤديه في هذا الصدد ..وهذا يتطلب تطوير القدرات المؤسسية والتنظيمية الضرورية، وتوفير الخدمات العامة بكفاءة وشفافية ودعم التعاون والشراكات المثمرة بين القطاعين العام والخاص وإتاحة مجال أوسع لنشاط المجتمع المدني". وهكذا تقوم فلسفة إستراتيجية الشرطة المجتمعية على غرس ثقافة جديدة للوقاية من الجريمة والحد من انتشارها، محورها الأساسي أهمية وضرورة مشاركة جميع أفراد المجتمع ومؤسساته مع جهاز الشرطة، انطلاقا من مبدأ المسئولية المشتركة لدى الطرفين، واعتماداً على تثبيت وتعزيز القيم الدينية وتقاليد المجتمع.

المرجعيـات الأسـاسية للإسـتراتيجية

(1) الشـــريعة الإسلاميـة (2) قيم وعادات وتقاليد المجتمع القطري (3) توجيهات ورؤى القيادة العليا للـبـلاد (4) الدستـور القطــري (5) رؤيـة قطــر2030 (6) القــوانين والـلوائح القطــرية (7) قرارات وتوصيات مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومجلس وزراء الداخلية العرب واللجان المعنية بالشراكة المجتمعية ومفهوم الأمن الشامل (8) الأدبيات التي تناولت مفهوم الشرطة المجتمعية (9) اللجان الأمنية المتخصصة في خدمة المجتمع (10) التجارب التي وقفت عليها اللجنة المعنية بدراسة موضوع إستراتيجية الشرطة المجتمعية (11) الزيارات الاستطلاعية التي تمت لبعض الدول الشقيقة والصديقة ذات التجارب السابقة في موضوع الشرطة المجتمعية

ركـائـز الإسـتراتيجية

تقوم فلسفة الشرطة المجتمعية على اقتسام مسئولية أمن المجتمع ووقايته من كافة أشكال الجريمة، بين "أجهزة الشرطة" و" مكونات المجتمع "، في إطار معادلة اجتماعية متطورة تحترم وتحقق مصالح الجميع. لذلك، فان إستراتيجية الشرطة المجتمعية في قطر تقوم على ثلاث ركائز أساسية هي:

أولا: أجـهـزة الشــرطة:

تعتبر الشراكة المجتمعية هي إحدى أهداف وزارة الداخلية انسجاماً مع رؤية قطر 2030، ومن ثم تتبنى أجهزة الوزارة مبدأ التعاون والشراكة مع المجتمع من خلال إنشاء آلية خاصة بالشرطة المجتمعية تكون مسئولة عن التنفيذ المباشر لهذه الفلسفة الأمنية الجديدة فى الوقت الذي تضطلع فيه الإدارات الأمنية والخدمية الأخرى بمسئولياتها في تنفيذ إستراتيجية الوزارة للشرطة المجتمعية، بوصفها أحد ركائزها الهامة.

ثانيا: مكونـات المجـتـمع

تؤكد الاتجاهات الأمنية الحديثة على أهمية دور أفراد المجتمع ومؤسساته الرسمية والمدنية في الوقاية من الجريمة والحد من انتشارها ، وأن أجهزة الشرطة مهما بلغت من إمكانات بشرية أو مادية لن تستطيع – وحدها – حماية المجتمع من الجريمة وتعقب مرتكبيها، وإنما ستظل دائما في حاجة إلى دعم ومساندة أفراد المجتمع ومؤسساته المختلفة. وحيث يعيش على أرض دولة قطر أفراد من جنسيات مختلفة ويحملون ثقافات متنوعة، يشاركون مواطنيها عملية التنمية والنهضة الشاملة التي تشهدها البلاد، فمن هنا تأتي أهمية هذه الركيزة في تكامل مضمون الشراكة المجتمعية،والسعي لدى مكونات المجتمع ، لتضطلع بدورها في هذا المجال، والذي يمكن أن يتمثل في المبادرة إلى الإدلاء بالشهادة أو الإبلاغ عن جريمة ،والوقاية الذاتية بتأمين الذات والممتلكات، لتضييق فرص ارتكاب الجريمة، واحترام قيم وعادات المجتمع القطري، والامتناع عن ممارسة السلوكيات الخاطئة أو التي تتعارض مع تلك القيم ، مع الالتزام باحترام القانون وإتباع اللوائح والتعليمات الخاصة بالمعاملات والمرافق المختلفة ، هذا بالإضافة إلى تحمل مكونات المجتمع لنصيبه من المسئولية الاجتماعية ، من خلال التعاون والتشاور حول الإجراءات المناسبة ، وتبادل المعلومات الأمنية مع المؤسسات المدنية والجمعيات الأهلية.

ثالثا : مجالس الشـرطة لخدمـة المناطـق

استكمالا لفاعلية تطبيق مفهوم الشرطة المجتمعية، تسعى الجهات المختصة إلى إنشاء مجالس لخدمة المناطق، بواقع مجلس بكل منطقة، برئاسة مدير الإدارة الأمنية، وتكون عضويته لمجموعة من الشخصيات الرسمية والشعبية من أهل وسكان المنطقة ( من الجنسين)، ممن تتوافر فيهم رجاحة العقل والفكر والرأي ويتميزون بصفات القيادة والخبرة والثقافة العامة. وتهدف هذه المجالس إلى خلق نوع من الشراكة والتشاور بين الإدارات الأمنية وأهالي المنطقة، في مجال الوقاية من الجريمة والحد منها، وإحياء التواصل الاجتماعي والعلاقات الإيجابية بين أفراد المجتمع للعيش في أمن واستقرار.